مجمع البحوث الاسلامية
39
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
قلت : إنّ بين المقامين فارقا وهو أنّ إطلاق الآيات لفظ الجمع في مورد المفرد إنّما هو لكون الحقيقة الّتي تبيّنها أمرا جائز التّحقّق من كثيرين يقضي ذلك بلحوقهم بمورد الآية في الحكم ، وأمّا فيما لا يجوز ذلك لكون مورد الآية ممّا لا يتعدّاه الحكم ، ولا يشمل غيره الوصف فلا ريب في عدم جوازه ، نظير قوله تعالى : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ الأحزاب : 37 ، وقوله تعالى : لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ النّحل : 103 ، وقوله تعالى : إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ إلى أن قال : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ الأحزاب : 50 . وأمر المباهلة في الآية ممّا لا يتعدّى مورده وهو مباهلة النّبيّ مع النّصارى ، فلو لم يتحقّق في المورد مدّعون بوصف الجمع في كلا الطّرفين ، لم يستقم قوله : ( الْكاذِبِينَ ) بصيغة الجمع ألبتّة . فإن قلت : كما أنّ النّصارى الوافدين على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أصحاب دعوى ، وهي أنّ المسيح هو اللّه أو ابن اللّه أو هو ثالث ثلاثة ، من غير فرق بينهم أصلا ، ولا بين نسائهم وبين رجالهم في ذلك ، كذلك الدّعوى الّتي كانت في جانب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وهي : أنّ اللّه لا إله إلّا هو ، وأنّ عيسى بن مريم عبده ورسوله ، كان القائمون بها جميع المؤمنين من غير اختصاص فيه بأحد من بينهم حتّى بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فلا يكون لمن أحضره فضل على غيره غير أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أحضر من أحضر منهم على سبيل الأنموذج ، لما اشتملت عليه الآية من الأبناء والنّساء والأنفس ، على أنّ الدّعوى غير الدّعوة ، وقد ذكرت أنّهم شركاء في الدّعوة . قلت : لو كان إتيانه بمن أتى به على سبيل الأنموذج ، لكان من اللّازم أن يحضر على الأقلّ رجلين ونسوة وأبناء ثلاثة ، فليس الإتيان بمن أتى به إلّا للانحصار ، وهو المصحّح لصدق الامتثال ، بمعنى أنّه لم يجد من يمتثل في الإتيان به أمره تعالى إلّا من أتى وهو رجل وامرأة وابنان . وإنّك لو تأمّلت القصّة وجدت أنّ وفد نجران من النّصارى إنّما وفدوا على المدينة ليعارضوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ويحاجّوه في أمر عيسى بن مريم ، فإنّ دعوى أنّه عبد اللّه ورسوله إنّما كانت قائمة به مستندة إلى الوحي الّذي كان يدّعيه لنفسه . وأمّا الّذين اتّبعوه من المؤمنين فما كان للنّصارى بهم شغل ، ولا لهم في لقائهم هوى ، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى في صدر الآية : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ آل عمران : 61 ، وكذا قوله تعالى - قبل عدّة آيات - : فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ آل عمران : 20 . ومن هنا يظهر أنّ إتيان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بمن أتى به للمباهلة ، لم يكن إتيانا بنحو الأنموذج ؛ إذ لا نصيب للمؤمنين من حيث مجرّد إيمانهم في هذه المحاجّة والمباهلة حتّى يعرضوا للّعن والعذاب المتردّد بينهم وبين خصمهم . وإنّما أتى صلّى اللّه عليه وآله بمن أتى به من جهة أنّه صلّى اللّه عليه وآله كان طرف المحاجّة والمداعاة ، فكان من حقّه أن يعرض نفسه للبلاء المترقّب على تقدير الكذب . فلو لا أنّ الدّعوى